فوزي آل سيف

49

معارف قرآنية

يذكر الباحثون في قضايا الاستشراق أن قسما من البعثات الاستشراقية وجهود المستشرقين كان تخدم سياسات استعمارية ، حيث أنّ بعض المستشرقين موظفون رسميون في وزارات الخارجية او الدفاع في بلادهم ، بل شن إدوارد سعيد في دراسته الشهيرة "الاستشراق" في العام 1978 حملة قاسية على الاستشراق باعتباره "مؤسسة استعمارية" وعرّفه بأنه "المؤسسة المشتركة للتعامل مع الشرق – التعامل معه بإصدار تقريرات حوله، وإجازة الآراء فيه وإقرارها، وبوصفه، وتدريسه، والاستقرار فيه، وحكمه: وبإيجاز، الاستشراق كأسلوب غربي للسيطرة على الشرق، واستبنائه، وامتلاك السيادة عليه"[86]. فيأتي أحدهم في مهمة ليراقب المنطقة فيسجّل ملاحظاته ويكتب كتابًا ويقدّمه للناس ويستهدف به الاسلام وثقافته[87] . حداثيون :تمييع القرآن وتضييع الشريعة في العصر الحديث حصل طلاق وانفصال في المجتمعات الأوروبية بين العلماء والمجتمع من جهة وبين الكنيسة ورجالها وكتابها من جهة أخرى على أثر تراكمات تاريخية كانت فيها الكنيسة ورجالها قد تجاوزوا حدودهم الاعتيادية وفرضوا حصاراً على فكر الناس وجعلوا المجتمع ينحو منحى الجهل، وكل ذلك كان بإسم الدين والكتاب المقدس وإرادة الله عز وجل. أنتج هذا ردود أفعال اجتماعية أدت إلى أن تتفاصل المجتمعات، فالفئة الدينية والكتاب المقدس عندهم أصبح على هامش الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعلمية، وأصبح المجتمع لا ينظر إلى هذه الفئة على أنها تجلب له السعادة ولا يتوقع منها الخير الدنيوي، فقد أصبحت عنواناً للتخلف والجهل ومحاصرة العقول فتم الانفصال والطلاق بين هاتين الفئتين، وأصبح المجتمع عموماً مجتمعاً منفصلاً عن الدين، علمانياً في اختياراته وأصبحت الفئة الدينية على هامش الحياة، وقد تعمق هذا الاتجاه عندما جاؤوا بدراسات تبين وجوه الخلل في الكتب المقدسة ، وابتكروا مناهج في النقد بينت الكثير من زيفها ، ومع أن الاعتقاد الإسلامي القائم يقول بأنها ليست هي الكتب المنزلة من السماء بل حصل فيها تحريف وتزييف مفصل[88] .ولكن أرباب الكنيسة كانوا يعتقدون بانها الحق النازل من السماء وأن على الناس أن يؤمنوا به كحقيقة مطلقة لا تقبل النقاش ، جاء العلماء الطبيعيون والتجريبيون في تلك البلاد وأثبتوا بالحقائق أن هناك مضادة بين مؤديات هذه الكتب وآياتها وبين ما يكشف عنه العلم، فحدث هذا الانفصال وسمي بحسب المراحل بأسماء متعددة كعصر الثورة الصناعية، عصر التنوير، عصر الحداثة وغيرها من المسميات الأخرى، فهذه حقيقة حصلت في البلاد الاوروبية. على أثر التواصل العلمي والثقافي بين المجتمعات العربية والمسلمة من جهة وبين المجتمعات الاوربية فقد برز عدد من المفكرين العرب والمسلمين وحاولوا ان ينقلوا نفس التجربة الموجودة في الغرب إلى بلاد المسلمين، فقد استوردوا قسماً من المناهج، والمصطلحات ، وأيضاً استوردوا الحالة المضادة للدين والتي تعتبر أن الدين هو احد العوائق أمام النهضة وتعتبر ان في الكتاب إشكالات حقيقية ومخالفات للعلم، ( وكان هذا أول السوء فما عانى منه التوراة والانجيل من التحريف

--> 86 ) هيثم مزاحم ؛ مقال بعنوان : في ذكرى إدوارد سعيد .. مآلات الاستشراق / منشور على موقع الميادين على الانترنت. 87 ) وقد كتب عدد من الكتاب عن خدمات المستشرقين للتوجهات السياسية الحاكمة في بلادهم ، بالاسماء والتواريخ والأرقام . 88 ) يراجع التفريغ النصي لمحاضرة : التوراة : تعريفها وتحريفها في موقعنا الالكتروني al-saif.net